الصفحة الرئيسية  متفرّقات

متفرّقات "لامفرّ من الشغف، حتى ولو كنتُ طالبا عندكِ ! "

نشر في  21 أوت 2019  (16:28)

بقلم محمد البوغديري

لطالما حملت الأنظمة -أيّا كانت- بداخلها حتمية الخروج عن السياق في وقت ما وتجاوز المألوف بالنسبة لطريقة عمل النظام نفسه أو كل ما يحيط به و يجعل من هذا النظام محكما و مسيّرا بطريقة عمل غير قابلة للمساس.

هذه الدعوة إلى تغيير السائد و المألوف، خاصة إذا إرتبط الأمر بالتفاعل الإنساني تخوض بشكل مستمر جدلا واسعا سواء على مستوى الجنس أو اللون أو الدين أو حتى العمر، هنالك من يرى أنّ العواطف هنا لا تكبح حين تتعلق بالعلاقات، ولا يمكن أن تكون وفق قياس صحيح و مسلّمٍ وهنالك في الجانب الآخر من يرفض كل دعوة للتغيير.

كذلك هي العلاقات العاطفية بين مختلف الأطراف في الأنظمة التعليمية التي ليست مستبعدة عن ظهور عديد الأمثلة لعلاقات حب بين طلبة و أساتذتهم و التي تؤكد أنه لا مفر من تجاوز الجانب الموضوعي و المرور إلى الذاتي العاطفي أحيانا، و أنه لا مفر من علاقة ما بهذا الشغف والتي تستحق منك أن تنقلب أحيانا على خانة العادي و الجامد، ثم إنّ الإنسان في نهاية الأمر هو جدال شغف و تسارع لدقات القلب ومُضي نحو الأمام.

فلما تبدأ العلاقة بين طالب وأستاذته ؟ وماهي نظرة المجتمع لهكذا نوع من العلاقات؟

إيمانويل وبريجيت ماكرون..

العالم مليء بعديد الأمثلة التي تؤيد هذه النوعية من العلاقات ولعلّ أشهرها ما يعيشه الرئيس الفرنسي الحالي إيمانيول ماكرون وزجته بريجيت، وهذه العلاقة العاطفية تتميز بفارق عمري يناهز الـ24 سنة، هذا الحب القوي للرئيس الفرنسي و الصادق الذي ساهم في تخلصه من قيود المجتمع و تمرده عليها بشخصيته ساهما في زواجهما و إستمرارية هذا الزواج لسنوات طويلة بعيدا عن زيف العلاقات الثنائية حيث تقول بريجيت في فيلم وثائقي: “لم يكن كسائر الشباب، لم يكن فتى”، و تضيف: “شيئًا فشيئًا، هزم مقاومتي”.

خروج ماكرون عن المألوف بهذه العلاقة يرجع في غالبه إلى تعلّقه بجدته اليساريّة التي ضخّت فيه حب الكتب مما جعل الأمر يعلق بذهنه، كما أنّ قوّة ماكرون الخطابية وعبقريّته في فنون التواصل التي يشهد بها الجميع ترجع في غالبها إلى تأثير عامل المسرح الذي إرتاده منذ الصغر، وهنا كانت بريجيت هي المدرّسة.

هذا التأثير المباشر جعل من ماكرون يعترف أيضا في حملته الإنتخابية بأشكال أخرى من الأسرة خارجة عن المألوف ممّا ساهم في حصد دعم و تعاطف شعبي لهذا الرجل خاصّة بعد فقدان منافسته الرئيسية لوبان لأعصابها في اللقاء الأخير من الجولة الثانية للإنتخابات الفرنسيّة ذلك بعد أن إستفزها ماكرون بعدم حملها لبرنامج واضح و ربحه لنقاط على حسابها فصدمت الجميع بجملة "لا يمكن أن تلعب معي دور الأستاذة والطالب !" في إشارة لزواج ماكرون و هو ما جعل الجميع يلوم لوبان.

كما تجدر الإشارة إلى أنّ هذه العلاقة بين الثنائي الفرنسي تحمل إيمانا بتطور إجتماعي في نوعية علاقات رجال السلطة الذين يتزوجون في العادة نساء أًصغر منهم سنّا تأكيدا على أنهم "كاملون"، وهو أمر غير مقبول بالنسبة لدور المرأة كشريكة و كذات مستقلّة.

دوافع العلاقة

هذه العلاقة الجندرية التي كانت تصب لمصلحة الرجل بدأت بالتغيّر نتيجة لكسر القوالب التقليدية و تجاوز "التابو" المتوارث نتيجة عدّة أسباب لعل أبرزها العامل الجنسيّ فعلى رأي فرويد "الجنس يفسّر كل شيء"، شاب اليوم يطلب المزيد من الوعي بالمشهد أكثر من المشهد ذاته، وبإعتبار أن قمّة الرغبة لدى المرأة تبدأ من سن الـ35 وتصل إلى الـ45 عاما، يُمكن تفسير إختيار بعض الشباب لمنّ هن أكثر منهم سنّا. ومن هنا نشير إلى إنتشار كلمة "كوغار" أو "المرأة الفهد" في السنوات الأخيرة للإشارة الى النساء اللواتي يخترن مواعدة شباب أصغر سنّا منهن بإعتبار أنهنّ يتمتعن بالذكاء، الإستقلالية على الصعيد المادي والمهني، ويعرفن فعلا ماذا يُردن.

هذا إضافة إلى العوامل الإجتماعية و النفسيّة السيكولوجية على غرار التشجيع، فشخصيّة الطالب تظلّ دائما معجبة بإنجازات الأستاذة و تقديره لها، وهو ما يجعله في حالة تشجيع دائم وتقدير لما تفعله، العمق و الذكاء فمراكمة المرأة لتجارب أكثر من الطالب تجعل منها أقدر على خوض نقاشات أعمق و أكثر جدلية مع عوامل التأثير و التأثر مما لا يترك فرصة أمام من هنّ في سنّه بإعتبار أنّ مجالات اهتمامه لا تتوافق مع ما يطمحن إليه، المسؤولية. إذا تعرف المرأة في هذا النوع من العلاقات كيف تدير العلاقة وكيف تحافظ على عامل الإبهار متجاوزة بذلك التقلبات النفسية والمطلبيّة السطحيّة.

كما تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الإنجذاب هو نتيجة لشخصيّة الطالب التي تجدها مختلفة عمن هم في عمره إضافة إلى كون قليته منفتحة أكثر مما يكون عليه الرجال بنفس سنّهن، و هو ما يترك لهن مجالا للحريّة والإحساس بالتجديد و القدرة على حب الحياة كما أن جانب التمرد بالنسبة للطرفين يعبر في حد ذاته عن مغامرة تحمل في خوضها إيمانا على قدرتهم على الوصول إلى ما أبعد مما هو متعارف عليه.

نظرة المجتمع

غالبية المجتمع ترفض هذه العلاقة بل و تحمل في هذا الرفض تقسيما جنسيا لا يحترم الذات الإنسانية و يعتبرها قائمة على الحسابات النفعية، وهذا الرفض المجتمعي القائم على كون أنّ الأستاذة هي من تتزوج طالبها غير مقبول تواصل للفكرة الخاطئة بأنّ الرجل هو الأكثر نضجا، و هو من يتحمل مسؤولية الأسرة وليس العكس.. فلا بأس بالنسبة لهم أن يكون الأستاذ في علاقة مع طالبته بل ويذهب في تمجيد لذكوريته في كونه "ظفر" بها ولا زالت في مقتبل العمر و مقبلة على الحياة كما أنها ستتلقى أيضا الإطراء و التمجيد لكونها "أسقطته" و حصلت على العلامة الكاملة في "الايقاع" بالرجل المنتظر ذو المكانة المجتمعية الراقية بالنسبة لهم ، إن حصل العكس فهناك الطامة الكبرى !

هذا الرفض التام و القائم في داخله على تقسيم جنساني هو نتيجة لدافعين إثنين؛ الأول كونها تعتبر أن حالتها أفضل بالتماشي مع كل ماهو مفهوم و عادي بالنسبة لها، و أصحاب هذه الفكرة يرفضون الخوض في تفاصيل التجارب الأخرى معتبرين أنهم وصلوا إلى نهاية المطاف في إكتشاف اللذة والشغف و الحب و كل مايجعل من العلاقة قائمة الذات بالنسبة لهم. ومن الغريب و من غير المعقول البحث عن معان جديدة مغايرة للعلاقات العادية و يخيّرون السير فيما سار عليه الأباء الأولون دون الأخذ بالتطور الحتمي للتاريخ مما ينتج تطورا للتفاعل الإنساني مع هذا التطور الزمني و يطغى على هذا الفكر نظرية المكان الآمن المحدد والذي لا يجب الحياد عنه.

أما بالنسبة للدافع الثان، فمناصروه يرون في تجاربهم السابقة معيارا للحكم على هذا النوع من العلاقات و يسقطون بهذا في التجريبية غير المعقولة و التي تخيّر النظر للون واحد سوداوي رغم وجود قوس قزح ومجالات أكبر للإكتشاف.

إن إختيار السير في الطرق المختلفة عما يسلكه الجميع و لو في علاقتك مع أستاذتك بحدّ ذاته إحترام لقيمة الإنسان في قدرته على تجاوز المجتمع الأبوي للقرون الوسطى و تجاوز لقناعة أنّ هذا الواقع هو الأمر الحقيقي الوحيد ، تفاعل مفروض بحكم الحياة وحق الإنسان في الإختيار، بحكم البيولوجيا وبحكم قدرته على الحب و لا شيء غير الحب.